الشيخ محمد هادي معرفة
47
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير . لكنّا نرى أنّ كلّ واحد من هؤلاء القرّاء يختصّ بنوع معيّن من القراءة ، ويحمل الناس عليها ويمنعهم عن غيرها ، فوجب أن يلزم في حقّهم ما ذكرنا . وأمّا إن قلنا : أنّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر ، بل بطريق الآحاد ، فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع واليقين ، وذلك باطل بالإجماع . ولقائل أن يجيب عنه فيقول : بعضها متواتر ، ولا خلاف بين الأُمّة فيه ، وتجويز القراءة بكلّ واحدة منها ، وبعضها من باب الآحاد ، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكلّيّته عن كونه قطعيّا واللّه أعلم » . « 1 » قلت : قد اشتبه عليه تواتر القرآن بتواتر القراءات ، ومن ثمّ وقع في المأزق الأخير ، وسنبيّن أنّ القرآن شيء والقراءات شيء آخر ، فلا موقع للشقّ الأخير من الإشكال . وقال الحجّة البلاغي : « وانّ القراءات السبع - فضلًا عن العشر - إنّما هي في صورة بعض الكلمات ، لا بزيادة كلمة أو نقصها ، ومع ذلك ما هي إلّا روايات آحاد عن آحاد ، لا توجب اطمئنانا ولا وثوقا ، فضلا عن وهنها بالتعارض ، ومخالفتها للرسم المتداول ، المتواتر بين عامّة المسلمين في السنين المتطاولة . وأنّ كلّا من القرّاء هو واحد - لم تثبت عدالته ولاوثاقته - يروي عن آحاد ، ويروي عنه آحاد وكثيرا ما يختلفون في الرواية عنه ، فكم اختلف حفص وشعبة في الرواية عن عاصم . وكذا قالون وورش في الرواية عن نافع . . . وهكذا . مع أنّ أسانيد هذه القراءات الآحادية لايتّصف واحد منها بالصحّة في مصطلح أهل السنّة في الإسناد ، فضلا عن الإماميّة ، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار . فيا للعجب ممّن يصف هذه القراءات السبع بأنّها متواترة » ! « 2 » وقال سيّدنا الأُستاذ الإمام الخوئي قدس سره : « المعروف عند الشيعة الإماميّة أنّها غير متواترة بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ ، وبين ما هو منقول بخبر الواحد ، وقد
--> ( 1 ) - التفسير الكبير ، ج 1 ، ص 63 . ( 2 ) - آلاء الرحمان ، ج 1 ، ص 29 - 30 ، الفصل الثالث من المقدّمات .